القاضي التنوخي
109
الفرج بعد الشدة
ولما بنى المكتفي قصر التاج ، بنى قبّة على أساطين رخام ، عرفت بقيّة الحمار ، لأنّه كان يصعد إليها ، في مدرج حولها ، كمنارة جامع سامراء ، على حمار صغير الجرم ، وكانت عالية مثل نصف دائرة ( كتاب دليل خارطة بغداد ص 126 ) . أقول : لما زرت بلاد الأندلس في السنة 1960 ، أبصرت في أشبيلية ، من آثار المسلمين الباقية ، مأذنة ، يسمّونها : الجيرالدا ، ذات علوّ شاهق ، يصعد إليها من باطنها ، في طريق يتّسع لستّة أشخاص ، يسيرون جنبا إلى جنب ، وذكروا لنا أنّ المؤذن كان يصعد إلى أعلى هذه المأذنة ، راكبا حمارا ، ووجدت أهالي أشبيلية ، يفتخرون بهذه المأذنة ، ويقولون : إنّ من صعد إلى أعلى برج إيفل بباريس ، أبصر باريس كلّها ، أمّا من صعد إلى أعلى الجيرالدا ، فإنّه يرى الدنيا كلّها . وكان الناس يغالون في حمير مصر ، وهي موصوفة بحسن المنظر ، وكرم المخبر ( لطائف المعارف 161 ونهاية الأرب 10 / 93 ) ، وأهل مصر يعنون بتربية الحمير ، والقيام عليها ، لما يجدونه فيها من الفراهة ، وسرعة الحضر ، والنجابة ، ويبالغون في أثمانها ، حتى بيع في بعض السنين ، حمار ، بمائة دينار وعشرة دنانير ، وكان صاحبه يسمع أذان المغرب بالقاهرة ، فيركب ، ويسوقه ، فيلحقها بمصر ، وبينهما ثلاثة أميال ( مطالع البدور 2 / 182 ) . وذكر ابن سعيد : أنّ المغاربة كانوا يأنفون من ركوب الحمار ، خلافا لأهالي مصر ، فإنّ أعيان مصر ، والفقهاء ، والسادة ، يركبون الحمير ( خطط المقريزي 1 / 341 ونفح الطيب 2 / 339 ) حتى إنّ ابنة الإخشيد محمّد بن طغج ، كانت تقطع الأزقّة في القاهرة وهي على ظهر حمار ( خطط المقريزي 1 / 353 ) . أقول : لم تقتصر الأنفة من ركوب الحمار على المغاربة المسلمين ، وإنما تعدّتهم إلى إفرنج أسبانيا ، فإنّ الملك الفونس ، لما انكسر في السنة 591 في المعركة بينه وبين السلطان أبي يوسف الموحّدي ، حلق ألفونس رأسه ، وركب حمارا ، وأقسم لا يركب فرسا حتى ينتصر ( ابن الأثير 12 / 115 ) ، وكذلك صنع علاء الدين الغوري ، في السنة 602 ، فإنّ أهالي غزنة نهبوا جميع ما كان لديه ، فلما وصل إلى باميان ، لبس ثياب سواديّ ، وركب حمارا ، وقال : أريد أن يراني الناس وما صنع بي أهل غزنة ، حتى إذا عدت إليها وأخربتها لا يلومني أحد ( ابن الأثير 12 / 220 ) . وذكر القزويني ، في آثار البلاد 262 : أنّ الحمر المريسيّة ، نسبة إلى المريسة في ناحية